أسئلة حول الجيش السوري الحر

نشر في‫:‬الثلثاء, آب 28, 2012 - 19:19
ناقلة جند مدمرة في حمص|نقلا عن الموقع الالكتروني للجان التنسيق المحلية في سوريا
الكاتب/ة: دينا عمر.

قد يكون الجيش الحر مفهوم أكثر من كونه توصيف لجيش حقيقي يمتلك مقوماته القتالية، فهو لم يأخذ الشكل التنظيمي باعتباره جيشا حيث اعتمد على الانشقاقات الفردية للمجندين منذ استخدام الآلة العسكرية وحتى الآن كما أن القيادات ذوي الرتب العسكرية العليا جنحت إلى الفرار عبر الحدود لتركيا. وهو لم يتسم أيضا على مستوى التسليح الجيد الذي يؤهله لخوض معركة مباشرة أثناء القتال، لعل انسحابه من الأحياء وآخرها صلاح الدين بحلب يرجع إلى نقص العتاد مثلما تم الإعلان عن ذلك. كما أن امتلاك قيادة قادرة على إدارة العمليات العسكرية وتوزيع خططها جغرافيا على مناطق الاشتباك كان منعدما لفترة طويلة قبل إعلان تكوين قيادة مركزية مشتركة قبل شهرين.

كما يبدو أن وصف الجيش الحر بالمعارضة ليس بدقيق أيضا، فالعمل السياسي للمنشقين لم يظهر حتى الآن خارج إطار فكرة إسقاط النظام، لعل ذلك يظهر في غيابهم التام عن آية ملاحقات سياسية للأحداث كالتعديلات الدستورية أو الانتخابات البرلمانية بالشكل الذي يوضح رؤية بعيدة ينظر من خلالها الجيش الحر لمستقبل سوريا ما بعد الأسد. كما أن لفظ "معارضة" في حد ذاته مغلوط إلى حد كبير وليس له موقع على الخريطة السياسية الداخلية في ظل وجود أكثر من 4 ملايين معارض خارج الأراضي السورية وفي ظل عمل جهاز استخباراتي قوي حيث انكمش الدور الحقيقي للمعارضة، واصطفت الأحزاب اليمينية واليسارية على حد سواء تشارك الأسد في ائتلاف حكمه، أما التيارات التي اصطنعت فعل المعارضة نتيجة تصاعد الصراع فقد وجدت أهمية إجراء حوار وطني للأطراف المتنازعة وهو ما يتعارض كليا، ولا يمكن دمجه أبدا، مع مفهوم إسقاط النظام الذي تبناه الجنود المنشقين.

ومع دخول الصراع عام ونصف واحتدامه بشكل أكثر دموية، تزايدت الأسئلة حول طبيعة الجيش الحر، ما أهدافه، كيف ومن أين يحصل على أسلحته وسط شبهات التمويل الأجنبي وتصاعد الاتهامات بطائفية عناصره. هنا قد نتطرق بشكل عام إلى المجلس الوطني السوري الذي لم يحظى على الإطلاق بقبول شعبي وسط خلافات داخلية كادت أن تعصف به، بل واقتصار دوره "الثوري" على المساعي الدبلوماسية الدولية التي لم تنجح عمليا.

ماذا عن التمويل؟
المجلس الوطني هنا كان من الممكن أن يلعب دورا مركزيا يحاكي نظيره الليبي في شراء الأسلحة ثم توزيعها مركزيا على المدن المقاتلة مع تفعيل لمكتبه العسكري، وكان من الممكن أن يكون حلقة الوصل بين الجهات الأجنبية الممولة للثوار عسكريا بالأسلحة والذخيرة، وهذا ما لم يحدث نظرا لعمله من خارج البلاد وفشله في تكوين مكتب عسكري يحاكي التحركات على الأراضي السورية في إدارة عمليات لم يشتبك بها على أرض الواقع ودون الاتصال بالقادة الميدانيين، وهو ما جعله ينهار سريعا. لتبدو حالة الانفصال بين الجيش الحر والمجلس الوطني مزعجة جدا لأهداف الدول الغربية والخليجية على حد سواء.

الاتهامات بالتمويل الأجنبي قد تقل كثيرا في ظل حالة الحصار الشديدة للجنود المنشقين التي أدت إلى نقص السلاح وصعوبة الاتصال بين أفراد الوحدات المختلفة طيلة الفترات الطويلة الماضية، ومع زيادة الانشقاقات ازدادت حدة المعارك بدرجة أصبح معها جنود الجيش النظامي يفرون من دباباتهم حيث تتحول غنيمة للجيش الحر. كما أن الانشقاقات الجماعية أو الرتب العسكرية العليا حولت الموقف من انشقاق الجنود بأسلحتهم الفردية إلى إمكانية فتح مخازن الأسلحة والاستيلاء عليها كما في انشقاق اللواء 61 في نوى بحوران وفتح مستودعات الأسلحة التابعة له، وهو نفس ما حدث عند اقتحام مطار دير الزور العسكري. كذلك التهديد بالاستيلاء على مخازن الأسلحة الكيماوية بعد انشقاق قيادات عليا أخرى.

يمكننا أيضا أن نضع احتمالات تهريب الأسلحة عبر الحدود من الخارج للجنود المنشقين وخاصة بعد ضعف سيطرة الجيش النظامي على المعابر التركية والعراقية، إلا أن حالة التشرذم الواسعة التي تعانيها كتائب الجيش الحر في ظل زيادة الانشقاقات بشكلها العشوائي واشتداد الضربات النظامية جعلت تعميم فكرة تمويل المنشقين باستجلاب الأموال أو الأسلحة أمرا يستحيل تخيله. الأمر الذي يرجح أن مصادر تسليح الجيش الحر إنما تنحصر في الانشقاقات بالجيش النظامي، والشراء، والتصنيع المحلي.

قد تطرح فكرة التمويل تحديا كبيرا لمستقبل الثورة السورية وخاصة مع تجاذبات تعكس مصالح دولية تحوم حول المنطقة، فالتمويل سيضع موطىء قدم لمستعمر جديد ينهب ثروات الشعوب تحت مسمى "الديمقراطية". وهو نفس التحدي الذي سيواجه الجيش الحر ليس فقط برفض التمويل الخارجي، لكن بمدى قدرته على "التمويل الداخلي" من ثورية الجماهير المحتجة التي أبدت ثقة بتظاهرات الجمعة، 17 أغسطس، تحت مسمى "بوحدة الجيش الحر يتحقق النصر". لعل ذلك ما يزيد الرهان على توحيد الجبهة الداخلية وارتباط النضالات الشعبية والمسلحة في صنع ثورة سورية خالصة.

لكن على الجانب الآخر فإن اتهام التمويل قد يكون معكوسا برمته لدى النظام السوري الذي تمتع بأوسع الخيارات، فالدعم الأجنبي من الأسلحة التي توافدت على الموانيء السورية قادمة من روسيا مازال متواصل، القنابل الفراغية على سبيل المثال التي تم استخدامها بمجزرة أعزاز بريف حلب، 15 أغسطس، روسية الصنع ولم يتم استخدامها قبل ذلك، ووسط أنباء عن اغتيال مستشار وزير الدفاع الروسي أثناء مشاركته بإحدى العمليات العسكرية، في حين تم القبض على مجاميع إيرانية داخل الأراضي السورية يشتبه بانتمائهم للحرس الثوري، ومجموعات مسلحة أخرى نفذت مجزرة قرية الحراك بدرعا، 23 أغسطس، لا تتحدث العربية وفقا لشهود عيان. وقد تثبت الأيام صحة أو كذب وجود 1500 عنصر من عناصر حزب الله للقتال مع الجيش النظامي في قمع الثورة كما أشيع مؤخرا.

من يصنع الطائفية؟
ومنذ الأيام الأولى للثورة أشاع النظام اتهاماته لجماعات إرهابية ممولة من الخارج لزعزعة أمن واستقرار الدولة، كما أشيع على الجانب الآخر ارتكاب الجيش الحر مجازر ضد الطوائف الدينية الأخرى.

لا يمكن هنا تأكيد إحدى الحالتين إلا برصد المعطيات على أرض الواقع، فصحيح أن الغالبية العظمى لتكوينة الجيش الحر من ابناء الطائفة السنية باعتبارها أكثر الطوائف عددا وباعتبار السيطرة الكلية للطائفة العلوية على زمام السلطة، إلا أنه مع تراجع الحراك الشعبي بسبب القصف النظامي العنيف تحول المدنيون إلى حمل السلاح دفاعا عن أهلهم وممتلكاتهم، واستطاع الجيش الحر على إثر ذلك ضم طوائف أخرى من الأهالي إلى صفوفه.

من الملاحظ أن بعض الكتائب حملت أسماء قادة إسلاميين بحكم الخلفية الدينية الشائعة بالمجتمعات العربية حيث تواجد الفصيل الإسلامي بالجيش الحر مثلما تواجد في صفوف المظاهرات السلمية.هناك أيضا سلفيون حملوا السلاح في بعض كتائب الجيش الحر أو في كتائب منفصلة، وبعض التكفيريين الأكثر تعصبا والإرهابيين شكلوا كتائبهم المنفصلة مثل "جبهة النصرة في بلاد الشام"، وهنا يمكن رصد اختلافات بين السلفيين والجيش الحر في أكثر من مكان مثلما حدث بحي الميدان الدمشقي على إثر رفع السلفيين لأعلامهم السوداء.

لا يمكن هنا أن نستبعد ارتكاب مخالفات ضد الطوائف الأخرى أثناء القتال على المستوى الميداني، لكن ومع محاولات الجيش الحر تكوين مكاتب عسكرية تشمل كل المنشقين بالمحافظات المختلفة أصدرت القيادة المشتركة للجيش السوري الحر في الداخل قسما يتعهد فيه الجنود بعدم ممارسة أي أفعال انتقامية على أساس العرق أو الطائفة, و بعدم استخدام السلاح ضد بقية الثوار أو المدنيين ممن يختلف معهم، أو ضد أي مواطنين سوريين آخرين، وأن يقتصر استخدام السلاح على الدفاع عن المدنيين في مواجهة إجرام النظام، كما أصدر المكتب الإعلامي للمجلس العسكري التابع لمدينة دمشق وريفها بيانا أشد تنظيما قرر فيه تطهير صفوف المقاتلين من المرتزقة المنتسبين زورا للجيش الحر عبر ترقيم المركبات وتسيير دوريات سرية لمراقبة أداء عناصر الجيش الحر. كما تم تكوين لواء التوحيد بحلب لمواجهة حالات النهب والسرقات وملاحقة المعتدين.

المعطيات على الجانب الآخر تؤكد أن إشعال الورقة الطائفية في مواجهة مطالب اجتماعية شعبية كانت أول ما لوًح به النظام باتهام المتظاهريين السلميين بكونهم جماعات إرهابية في محاولة لتأليب الشعب على بعضه لتبرير جرائمه، لا يستبعد في ذلك أن تكون جيوش الشبيحة المنتفعين من النظام من قاموا بتلك المجازر وهم أنفسهم من قاموا بمجازر ضد الأقلية الكردية صاحبت نزول الجيش في القامشلي وحماة منذ الثمانينات.

كما أن أعتى المجازر التي تمت ضد المدنيين كانت تحت السيطرة العسكرية للجيش النظامي على تلك المناطق كما حدث في مجزرة كرم الزيتون بحمص ومجازر الحولة والتريمسة، وفي ظل انشقاقات المجندين التي استنكرت في مجملها ممارسات الجيش اللاانسانية في قمع المظاهرات السلمية بالعتاد الثقيلة والتعذيب البدني الوحشي، يفسر ذلك منع قوات الإغاثة من دخول الأحياء المنكوبة وعدم الاستجابة لإيجاد مناطق آمنة تأوي الأبرياء.

لا يخفى في هذا الصدد أصل استقرار الديكتاتوريات على تزكية الورقة الطائفية التي كان من الممكن أن تتمدد لتشعل بحرب أهلية تشمل سوريا منذ عقود طويلة لولا أن النظام مثلما حرم الأكراد من حقوقهم الاجتماعية كالتأمين الصحي فقد أوجد على الجانب الآخر تهميش لقرى علوية فقيرة، ومثلما سيطر بالقيادات العلوية على المناصب الأمنية فقد استعان، وفقا لمصالحه، بعشائر سنية كبيرة مثل عشيرة "زينو" التي تزعمت عصابات الشبيحة بحلب وتوعدت بالزج بآلاف المقاتلين ضد المعارضين للنظام سواء كانوا سنيين أو علويين.

الوضع السوري الآن يحتمل مزيد من التحليل، لكن فهم الظروف الحالية والدوافع التاريخية لخروج الثورة الشعبية ثم تطورها من السلمي إلى المسلح قد يساهم في تفسير الأسئلة حول الجيش الحر.