هل نخضع بصمت؟

نشر في‫:‬الاربعاء, ايلول 22, 2010 - 17:00
الكاتب/ة: المنشور.

حكومة الوحدة الوطنية تعلن عن توجهها السافر لضرب الطبقة العاملة في لبنان. حكومة تعمل وفق تراث بنته لنفسها عبر سياسات إقتصادية حاقدة تعتمد الخصخصة كوسيلة لتوزيع الخدمات العامة والحقوق من مجال عام يملكه كل المواطنين إلى مجال خاص يخصها هي وأزلامها. والخصخصة هنا لا تعني فقط رغبة وإرادة خصخصة الكهرباء وقطاع الاتصالات، أي ما تبقى من خدمات. إنما تعني أيضا ما تمت خصخصته، كالتعليم في قطاعيه المدرسي والجامعي، القطاع الصحي، الضمان، البريد، قطاع استيراد مشتقات النفط وتوزيعها ووسائل النقل العامة. كل هذه القطاعات فقدتها، أو تكاد تفقدها، الطبقة العاملة، وللحصول على خدمة من الخدمات المذكورة ينبغي تسديد رسوم باهظة.

قتل الحق في التعليم

من قال أن القطاع الخاص بإمكانه إدارة هذه القطاعات بطريقة أفضل؟ هو يديرها ليزيد أرباحه وأرباح الطبقة الحاكمة. فالمواطن الذي لا يحمل مالا لن يستطيع الحصول على أي خدمة من الخدمات المذكورة. وإذا كان التعليم الرسمي (المدرسي والجامعي) يكافح من خلال معلميه وأساتذته لاستمرار هذا القطاع الحيوي، فإن الحكومة تمننهم بأجورهم (المحقة) وتعتبرها إنفاقا غير مجدٍ. هذا الإنفاق حو حق للمعلمين، لكن الحكومة لا تقوم بواجبها تجاه تلامذتها ومعلميها لصرف أموال لشراء تجهيزات ووسائل إيضاح حديثة، وإذا أرادت أن تقوم بذلك، فعبر التسول عند الدول «الصديقة» طمعا بمكرمة من هنا وحواسيب من هناك. فتظن أنها بذلك قد أدت قسطها للعلى وعلى الدنيا السلام.

صحة مرهونة

كذلك بالنسبة إلى القطاع الصحي، فعلى الرغم من توافر عدد قليل من المستشفيات الحكومية ومن استمرار مؤسسة الضمان الاجتماعي- رغم عجزها المالي المزمن- وبقية المؤسسات العامة و/أو الحكومية الضامنة. فحتى هذه اللحظة لا يتوفر هذا الضمان لعدد كبير من المواطنين، والحكومة لا تكلف نفسها كي تؤمن ضمانا شاملا وعادلا لكل المواطنين. فمن لا ضمان له، يمكنه التوجه إلى النواب الأشاوس لتسديدهم عنه الفاتورة ولاستمرارهم وأولادهم سرطانا قابعا فوق قلوبنا في هذه الأمة «العظيمة». الحق في صحة سليمة للجميع تقابله الحكومة بلامبالاة وعدم اكتراث مدروسَين ومخططَين.

«جحش الدولة»

الأمر نفسه بالنسبة إلى قطاع النقل، حيث قضت، أو تكاد، الحكومة على قطاع النقل العام. فهي تسعد بتسمية باصاتها (بجحش الدولة)، فحلت مكانه خطوط نقل غير منتظمة وموزعة بشكل عشوائي على مناطق دون أخرى. وإذا كان المواطن في المنطقة الأخيرة عليه أن يتحمل تكاليفا باهظة للانتقال إلى عمله أو جامعته أو مدرسته أو بكل بساطة، تقول له الحكومة، يمكنك أن تبقى مكانك. أما إذا حل الليل فلا باصات ولا من يحزنون، فبإمكانه أن يتسقل التاكسي، أو بكل بساطة، تقول له الحكومة،
لا تتجول في الليل.

بريد مُكْلف

كما أن الحكومة أوكلت مهمة البريد إلى شركة خاصة تتأخر دوما في إرسال البريد إلى الدولة المرسل إليها، تتأخر عن إتمام المعاملات الرسمية. والحكومة أوكلت هذه الشركة باعتبارها شركة تتم المعاملات بسرعة، أي «أسرع» من القطاع العام، وهذه الشركة لكي تزيل صفة البطء، وظفت شبانا وشابات على عكس الصورة المكونة عن الموظف في القطاع العام المؤلفة من شخص أبيض الشعر، يرتدي نظارة ويعاني من ألم في الظهر ويكثر من التأفف ويتأخر في عمله. هذه الشركة، ادّعت أنها كوّنت صورة مناقضة، فيمكن تلمس النظافة واللياقة والرشاقة والابتسامة، ولكن كل ذلك لقاء رسوم باهظة تذهب حصرا إلى جيوب هذه المؤسسة.

«يخضع الجميع بصمت»(؟)

هذه العبارة تعود لأيلوس أريستيد، متصوف يوناني عاش ومات في القرن الثاني، هذا المتصوف ردد هذه العبارة للتعبير عن الخضوع للسلطة الرومانية في ذلك الوقت. ولكن، هل الخضوع صفة حميدة؟ أو هي عبارة/مفهوم ينبغي سريانها على المواطنين في القرن الحالي؟ وهل الحق في التعبير يكفي في النظام الديمقراطي التمثيلي؟
بمعنى آخر هل تسجيل المواقف الخطية أو الشفهية أو حتى مجرد التأفف كافية للتغيير؟

في الواقع، إن نشر بيانا واحدا هو صفعة في وجه الحكومة وأمثال أيلوس أريستيد، ذلك أن الحكومة تتوقع صمتا مطبقا وإذعانا كاملا باعتبارها تمثل كل القوى السياسية الممثلة في المجلس النيابي، فهي تدّعي أنها تتكلم باسم جميع اللبنانيين وتريد أن تخدمهم، ولتحقيق ذلك سترفع نسبة الضريبة على القيمة المضافة لتصبح ١٥%، قد تكون مهمة المعارضة السابقة أن تساوم على هذا الرقم تخفضه إلى ١٢% فتدعي بذلك أن الضريبة أصبحت مشروعة أي شرعية بفعل توافق كافة أنواع الآلهة والأنبياء والأئمة عليها.

إلا أن النقطة المفقودة من هذا النقاش القائم هو هذه الضريبة بحد ذاتها، والبطولة لا تكون بتخفيضها نقطتين أو ثلاثة. البطولة تكون إلغائها كلها من أصلها، باعتبارها ضريبة قائمة على الاستهلاك وتصيب كافة المواطنين دون تمييز بين مداخيلهم ولا تصيب الكماليات. الحكومة تدعي أنها تريد سداد الدين العام ودفع أجور موظفيها، فلذلك تفرض هذه الضرائب. الأمر جد بسيط. الأجور هي حقوق مكتسبة أما الدين العام يمكن شطبه بجرة قلم باعتباره دين فرض على المواطنين ودون رضاهم. كما أن الحكومة تريد خصخصة ما تبقى من قطاعات عامة كقطاعي الكهرباء والاتصالات، والنقاش يدور حول صوابية هذا الخيار.

أما الخيار الأصوب فيكمن في منع خصخصة الكهرباء والاتصالات، وتأميم كل القطاعات التي جرت الإشارة إليها أعلاه.

وبعد، تسعى الحكومة من خلال مجلس النواب إلى إعادة درس قانون الإيجارات بغية إلغاء الإيجار القديم (قبل ١٩٩٢). الحكومة والمقاولين لم يكتفوا بجني الأرباح جراء زيادة أسعار الإيجارات المرتبطة بزيادة الحد الأدنى للأجور، فعندما ازداد الأخير ازدادت الإيجارات ٣٣%، فإنها تريد توسيع هذه الزيادة على المستأجرين القدامى دون أن تكلف نفسها تحقيق خطة إسكانية لمصادرة جميع الأبنية الفارغة المستعملة بلعبة المضاربة والتحكم بالأسعار. الحكومة تسعد بالأبنية الزجاجية المرتفعة تعبيرا عن الشفافية والنظافة، لا تهتم بالنزوح المعاكس (من وسط المدينة باتجاه الضواحي) هي تريد أن تدفع بالمواطن إلى سجون اجتماعية واقتصادية، ذلك أن حتى تواجد الناس العاديين في وسط المدينة يشكل أرقا مزمنا لحكومة التفاهة الوطنية.

نعم، الحوار يتحقق في الشارع

في ٢٤ شباط من هذا العام نفذت رابطة أساتذة التعليم الثانوي الرسمي في لبنان اعتصاما حاشدا أمام وزارة التربية في منطقة الأونيسكو. اعتصام يطالب باستعادة نسبة ال ٦٠% التي فرضها القانون ٥٣ الصادر عام ١٩٦٦ لقاء زيادة ساعات العمل حيث فقدها الأساتذة الثانويون عام ١٩٩٨ جراء دمج التعويضات. خلال التجمع هذا نزل وزير التربية حسن منيمنة إلى الشارع وعندما استمع إلى المطالب من رئيس الرابطة حنا غريب قال: «لن نجري حوارا بشأن هذه المطالب في الشارع». الشارع ليس وسخا يا حسن، الشارع يخيفك يا حسن، الشارع يخيف الحكومة ومجلس النواب، الشارع يخيف التوافق الوطني. فإلى الشارع!