في الذكرى الـ١١٢ لولادة برتولد بريخت: الاشتراكي الرائع، الذي بات العقل معه شعراً

نشر في‫:‬الخميس, اذار 1, 2012 - 19:24
الكاتب/ة: المنتدى الاشتراكي (لبنان)، بيرتولد بريشت.

ولد برتولد فريدريش بريخت (١٨٩٨-١٩٥٦)، في 2 شباط 1998، في أوغسبرغ بألمانيا، وانتقل في العام 1917 إلى ميونيخ لدراسة الفلسفة والطب. ولكنه سرعان ما اختار التوجه إلى المسرح، في حين كان بدأ يكتب الشعر، منذ مراهقته الأولى. وقد تم تجنيده في العام 1918 وإلحاقه بالمشفى العسكري، الذي شاهد فيه فظاعات الحرب، واتخذ مذاك موقفاً جذرياً ضد هذه الأخيرة. ولقد لعبت ثورة 1918 الألمانية دوراً هاماً في تكوين قناعاته السياسية الاشتراكية، على الرغم من نهايتها المأسوية، أو ربما بسبب ذلك. وبوفاة أمه في العام 1920، انقطعت علاقته، نهائياً، بجوه العائلي. وقد تم تمثيل ثاني مسرحياته، «طبول في الليل»، في ميونيخ، في أيلول 1922، ونالت نجاحاً كبيراً عاد عليه بالشهرة، منذ ذلك الحين المبكر.وفي ذلك العام بالذات، اقترن بالممثلة، ماريانه جوزفينه، وأنجب منها ابنته هانه ماريانا. وفي العام 1924 مُثِّلت مسرحيته «إدوارد الثاني»، التي ظهرت فيها بذور نظريته المسرحية عن «المسرح الملحمي». ثم انتقل بعد ذلك إلى برلين، حيث عمل مع المخرج ماكس راينهارت، وجمع حوله أصدقاء، وأتباعاً متحمسين عديدين، شعراءَ ورسامين وملاكمين. وفي العام 1926 بدأ سلسلة مسرحياته التي ستدعمها لاحقاً عقيدته الاشتراكية اليسارية، القائلة بأن المرء يتحدد بظروفه الاجتماعية. ومع العام 1930، تابع دراسته لهيغل وماركس، إلى حين تأكد اقتناعه بضرورة الثورة الاشتراكية. وطيلة تلك الفترة، كان يتابع كتابة الشعر، متأثراً بخاصة بشعر كل من فرانسوا فيون، وكيبلينغ، وأرتور ريمبو. وقد انفصل آنذاك عن زوجته الأولى، واقترن بهيلينه فيغل، التي ارتبط اسمها باسمه، وكان أشهر أدوارها»الأم شجاعة»، في المسرحية التي تحمل هذا العنوان. وفي مسرحية «الإجراء»، التي صدرت بالعربية بعنوان «القرار»، أعلن بوضوح تبنِّيه النهائي للماركسية.

 

غادر ألمانيا في 1933، مع زوجته، فأُحرقت بعد ذلك كتبه، وفي حزيران1935، نُزعت جنسيته الألمانية. وقد ساهم من مكان إقامته في الدانمرك، في مكافحة النازية.وبعد مسرحياته التعليمية، انكب على كتابة المسرحيات الكفاحية. وفي موسكو تعرف إلى ماي لان فانغ، وبدأ تأثره بالمسرح والشعر الصينيين. ومن ثم انتقل إلى السويد، في نيسان1939، حيث تم تمثيل مسرحيته» حياة غاليليو»، و»الأم شجاعة وأبناؤها». ثم انتقل إلى فنلندا،وكان هتلر قد بدأ مغامراته المجنونة، مكتسحاً جزءاً هاماً من أوروبا. وفي تلك الفترة أنهى كتابة مسرحيته»إنسان ستشوان الطيب»، التي تصور كيف أن الطيبة لا مكان لها في عالم يحكم فيه الأغنياء الفقراء. أما مسرحيته «صعود أرتوروي الذي لا يمكن وقفه»فعن صعود هتلر، وذلك فيما كان هتلر يستعد لغزو الاتحاد السوفييتي. وقد غادر بريخت أوروبا في ذلك العام (1941) إلى الولايات المتحدة، حيث أُغلقت في وجهه المسارح، انتظر 4 أعوام قبل تمثيل بعض مشاهد «رعب الرايخ الثالث وتعاسته»، مع نجاح ضئيل. وفي 1947 أعاد كتابة «حياة غاليليو»، تحت تأثير قنبلة هيروشيما، ثم آخر مسرحياته الكبرى «حلقة الطباشير القوقازية»، التي يعتبر فيها أن الروابط الاجتماعية أقوى من روابط الدم. وقد عاد إلى أوروبا عامذاك، وأتمَّ، في بيت ريفي مطل على بحيرة زوريخ بسويسراأهم مؤلفاته عن المسرح الملحمي، «الأورغانون الصغير للمسرح»، وأعاد صياغة أنتيغونا لسوفوكليس. وعاد في 1948 إلى برلين الشرقية حيث بقي حتى وفاته في العام 1956. وفي يونيو/حزيران 1953ن خاطب الرئيس الألماني الشرقي، أولبرخت، بعد قمعه ثورة العمال، قائلاً: «إذا كان هذا الشعب لا يعجبكم، ابحثوا لأنفسكم عن شعب آخر!» وقد توفي بالسكتة القلبية في 14 آب/أغسطس1956.

 

في مسرحياته، كما في شعره، اعتمد المنهج الديالكتيكي، القائم على رؤية التناقضات في كل شيء في العالم والحياة. وكان يتوخى الدقة والبساطة والوضوح، والاقتصاد في التعبير، دائماً، بحيث يمكن القول إن «العقل قد أصبح معه شعراً». وقد تميز، في قصائده المبكرة بالسخط على القيم البرجوازية، وملاحظة بؤس القدر الألماني، والتطلع لظهور قيم جديدة، بواسطة الثورة.

 

١) امتداح الثائر

 

حين يزداد الاضطهاد

 تخون الكثيرين شجاعتهم

ولكن شجاعته تزداد

إنه ينظم كفاحه

 

من أجل القرش 

الذي يناله أجراً

ومن أجل الشاي

ومن أجل السلطة في الدولة

 

إنه يسأ ل المُلكية:

من أين تأتين؟

 ويسأل الآراء:

أي إنسا ن تفيدين؟

 

حيث يسود الصمت دائماً

تراه يتكلم

وحيث يعم الظلم

ويتحدث النا س عن القدر

تجده يسمي الأشياء بأسمائها.

 

حيث يجلس إلى المائدة

يجلس السخط معه

الطعام يجده سيئاً

والحجرة ضيِّقة.

 

إلى حيث يطردونه

تذهب الثورة

والبلد الذي يغادره

لا يتركه الاضطراب.

 

 

 

٢) غَيِّر العالم

 

من ذا الذي لا يجلس العادل معه

لكي ينصر العدل؟

أي دواء لا يصبر على مرارته

من يرقد على فراش الموت؟

أي انحطاط لا يحق لك أن تقدم عليه

لكي تقضي على الانحطاط؟

إن لم تستطع في نهاية المطاف أن تغير العالم

فكيف تعد نفسك طيباً؟

من أنت؟

تمرَّغْ في الرغام

عانقْ سفاكي الدماء

ولكن غيِّر العالم

إنه يحتاج إلى التغيير!

 

٣) إلى الأجيال المقبلة

 

حقاً إنني أعيش في زمن أسود !

الكلمة الطيبة لا تجد من يسمعها

الجبهة الصافية تفضح الخيانة

والذي ما زال يضحك

لم يسمع بالنبأ الرهيب.

 

أي زمن هذا؟

الحديث عن الأشجار

 يوشك أن يكون جريمة

لأنه يعني الصمت على جرائم أشد هولا

 

ذلك الذي يعبر الطريق مرتاح البال

ألا يستطيع أصحابه

الذين يعانون الضيق

أن يتحدثوا إليه؟

 

صحيح أني ما زلت أكسب راتبي

ولكن صدِّقوني،ليس هذا إلا محض صدفة

إذ لا شيء مما أعمله

يبرر أن آكل حتى اشبع

 

صدفةٌ أني ما زلت حيّا

(إن ساء حظي فسوف أضيع)

يقولون لي: كلْ واشربْ !

افرح بما لديك!

 

ولكن كيف يمكنني أن آكل وأشرب

على حين أنتزع لقمتي

من أفواه الجائعين؟

والكأس التي أشربها

 

ممن يعانون الظمأ؟

ومع ذلك فما زلت آكل وأشرب!

نفسي تشتاق أن أكون حكيما

الكتب القديمة تصف لنا من هو الحكيم

 

هو الذي يعيش بعيدا 

عن منازعات هذه الدنيا

يقضي عمره القصير

بلا خوف أو قلق

 

العنف يتجنبه

 والشر يقابله بالخير

الحكمة في أن ينسى المرء رغائبه

بدل أن يعمل على تحقيقها

 

غير اني لا أقدر على شيء من هذا

حقاً! إني أعيش في زمن أسود.

 

2

أتيت هذه المدن في زمن الفوضى

وكان الجوع في كل مكان

أتيت بين الناس في زمن الثورة

فثرت معهم

 

وهكذا انقضى عمري

الذي قُدِّر لي على هذه الأرض

طعامي أكلته بين المعارك

نمت بين القتلة والسفاحين

 

أحببت في غير اهتمام

تأملت الطبيعة ضيِّق الصدر

وهكذا انقضى عمري

الذي قدر لي على هذه الأرض.

 

الطرقات على أيامي

 كانت تؤدي إلى المستنقعات

كلماتي كادت تسلمني للمشنقة

كنت عاجز الحيلة

 

غير أني كنت أقض مضاجع الحكام

(أو هذا على الأقل ما كنت أطمع فيه)

وهكذا انقضى عمري

الذي قدر لي على هذه الأرض.

 

القدرة كانت محدودة

الهدف بدا بعيدا

كان واضحاً على كل حال

غير أني ما استطعت أن أدركه.  

 

وهكذا انقضى عمري

الذي قدر لي على هذه الأرض

أنتم يا من ستظهرون

بعد الطوفان الذي غرقنا فيه

 

فكروا

عندما تتحدثون عن ضعفنا

في الزمن الأسود 

الذي نجوتم منه.

 

كنا نخوض حرب الطبقات

ونهيم بين البلاد

نغير بلداً ببلد

أكثر مما نغير حذاء بحذاء

 

يكاد اليأس يقتلنا

حين نرى الظلم أمامنا

ولا نرى أحداً يثور عليه.

نحن نعلم

 

أن كرهنا الانحطاط

يشوه ملامح الوجه

وأن سخطنا على الظلم

 يبح الصوت

 

آه: نحن الذين أردنا

أن نمهد الارض للمحبة

لم نستطع أن يحب بعضنا بعضا

أما أنتم

 

فعندما يأتي اليوم

الذي يصبح فيه الإنسان صديقاً للإنسان

اذكرونا

وسامحونا.